السيد محمد الصدر

61

منة المنان في الدفاع عن القرآن

قلنا : ليس الأمر كذلك إطلاقاً . نعم ، هذا القدر المتيقّن وأوضح المصاديق العرفيّة ، وقد عوّدنا الفقهاء والأُصوليّون أن نكون متدّنين في الفهم وماديّين في الفكر مع شديد الأسف . ونظيره قولنا : سرت من البصرة إلى الكوفة ، لكن ليس أصله كذلك ، فالسير هو الحركة ، والحركة لها عدّة عوالم ، وليس عالماً واحداً ، كما عليه العرف وبعض المتشرّعة ، فالحركة في المكان هو المشي مثلًا ، وكذلك الحركة في الزمان ، نحو : من الأمس إلى اليوم وإلى الغد وإلى . . . فهذا أيضاً سيرٌ في الزمان . وكذلك السير نحو الأعلى ، أي : السير المعنوي التكاملي ، وكذلك السير المعنوي التسافلي ، فهذا كلّه نحوٌ من السير ، ولا نستطيع أن نقول بمصداقٍ دون آخر بكونه حقيقيّاً ، وإن كان ذلك لا يدركه العرف ، ولكن العرف لو التفت إليه لأقرّ بأنَّ ذلك سيرٌ . ومن مؤيّدات ذلك : أنَّه يصدق عليه الابتعاد والاقتراب . فأقول موضّحاً ذلك : أنَّ السير المكاني يصدق عليه الابتعاد - وهذا واضحٌ - وهو الابتعاد والاقتراب العرفي . نقول : سار فابتعد عنّا ، أو سار فاقترب منّا ، والسير الزماني هكذا أيضاً ، لذا نقول : الفراعنة بعيدون عنّا بمقدار أربعة آلاف سنةٍ زماناً أو أزيد أو أقلّ ، وليس مكاناً ، وإلَّا فالمكان إنَّما هو ما بيننا وبين مصر لا أكثر ولا أقلّ . وكذلك يصدق القرب والبعد معنويّاً ، فنقول : إنَّ فلاناً بعيدٌ عن الدنيا وما فيها ، كأنَّ حبّ الدنيا قد خرج من قلبه ، وأنَّ شهوته قلّت وتقلّصت وماتت ونحو ذلك من الأُمور ، فكونه بعيداً عن الدنيا ليس ذلك بمعنى : أنَّه غير موجودٍ في أوقات النهار أو الليل ، أو كونه في مكانٍ مّا ، وإنَّما هو بعيدٌ عن الدنيا عاطفةً ورغبةً وهدفاً . . . وهكذا .